حول انهيار السيادة البحرية المغربية: تشريح أزمة إفلاس مجموعتي "كوماناف" و"كوماريت"

 

 حول انهيار السيادة البحرية المغربية: تشريح أزمة إفلاس مجموعتي "كوماناف" و"كوماريت" والتحليل البنيوي لتداعياتها الجيوسياسية والاجتماعية

تعتبر حكاية الملاحة البحرية المغربية، وتحديداً المسار المأساوي لشركتي "كوماناف" (الشركة المغربية للملاحة) و"كوماريت" (الشركة المغربية للملاحة والنقل)، تجسيداً حياً لتحولات الاقتصاد الكلي المغربي وانعكاساً للقرارات الاستراتيجية التي اتخذت على مدار عقود. إن هذا التقرير، المصمم بأسلوب السرد التحليلي متعدد الطبقات، يهدف إلى تفكيك طبقات هذه الأزمة بدءاً من الجذور الاستعمارية، مروراً بمرحلة بناء السيادة الوطنية، وصولاً إلى الانهيار الدراماتيكي في أحواض السفن التركية والهندية. إن قصة إفلاس "كوماناف" و"كوماريت" ليست مجرد إخفاق مالي لشركتين، بل هي قصة فقدان العلم الوطني في أعالي البحار، وتحول المغرب من قوة بحرية صاعدة إلى بلد يعتمد بشكل شبه كلي على الأساطيل الأجنبية لتأمين عبور مواطنيه وبضائعه.

 الجذور التاريخية والنشأة تحت ظلال الحماية (1946–1956)

لا يمكن فهم انهيار الملاحة المغربية دون العودة إلى اللحظة التي وُضع فيها حجر الأساس للقطاع البحري الحديث. في 5 غشت 1946، وفي سياق كان فيه المغرب لا يزال تحت الحماية الفرنسية، تم تأسيس "الشركة الفرنسية الشريفة للملاحة" (Compagnie Franco-Chérifienne de Navigation - CFCN) برأسمال قدره 50 مليون فرنك فرنسي. كانت هذه الشركة وليدة تحالف بين الرأسمال الفرنسي والمصالح المخزنية المغربية، لكن السيطرة الفعلية كانت لجهات فرنسية كبرى، على رأسها بنك روتشيلد والمجهزون الفرنسيون التقليديون.

هيكل الملكية التأسيسي لشركة (CFCN) عام 1946

الجهة المساهمةالنسبة المئويةالدور الاستراتيجي
المجهزون الفرنسيون (Paquet, CGT, SAGA)60.5%

الإدارة الفنية والسيطرة التشغيلية

صندوق الودائع والتدبير الفرنسي16.5%

الذراع المالي للدولة المستعمرة

الحكومة المغربية الشريفة16.5%

تمثيل السيادة الاسمية آنذاك

مستثمرون مغاربة خواص6.5%

النخبة التجارية المغربية الصاعدة

لقد صُممت الشركة في بدايتها لتكون أداة تكميلية للأسطول الفرنسي، وليست منافسة له. ومن هنا يبرز أول معطى استراتيجي غريب في تاريخ الملاحة المغربية، حيث تم استبعاد الشركة قانوناً من العمل على خط المغرب-فرنسا المربح، وذلك لضمان احتكار المجهزين الفرنسيين لهذا المسار. دفع هذا القيد الشركة للتوجه نحو نظام "الملاحة الحرة" (Tramping) على الصعيد العالمي، وهو ما منح الأطقم المغربية الأولى خبرة ميدانية هائلة في التعامل مع الموانئ الدولية من سان فرانسيسكو إلى سيدني وبومباي.

في هذه المرحلة، اعتمدت الشركة على قروض لشراء سفن مستعملة لتأمين انطلاقتها. كانت السفينة "جرادة" التي اقتنيت عام 1947 هي البداية، تلتها "زليجة" و"خريبكة" بحمولات تراوحت بين 6000 و10000 طن. ورغم الصعوبات المالية الأولية، نجحت الشركة في بناء شبكة من الوكالات الملاحية الدولية التي ستشكل لاحقاً العمود الفقري لشركة "كوماناف" في عهد الاستقلال.

 بزوغ فجر السيادة الوطنية و"مغربة" القطاع (1958–1973)

مع حصول المغرب على استقلاله، برزت الملاحة البحرية كقطب رحى في معركة الاستقلال الاقتصادي. في 30 دجنبر 1958، اتخذت الدولة المغربية قراراً تاريخياً بتأميم الشركة الفرنسية الشريفة للملاحة، ليتم تغيير اسمها في العام التالي إلى "اللجنة المغربية للملاحة" أو ما عُرف اختصاراً بـ "كوماناف" (COMANAV).

كان الهدف من "المغربة" هو تقليص العجز في ميزان الأداءات الناتج عن تكاليف الشحن بالعملة الصعبة، وضمان مشاركة وطنية في نقل الصادرات الأساسية مثل الفوسفات والحوامض والبواكر. ولتحقيق هذه الغاية، صدرت ترسانة قانونية تشمل ظهير 25 شتنبر 1962، الذي فرض حجز نسبة من النقل البحري للمجهزين الوطنيين.

توسع الأسطول الوطني في مرحلة الستينات

اسم السفينةسنة الاقتناءالمواصفات الفنيةالغرض التشغيلي
أطلس196014,935 طن

نقل البضائع الصلبة

موريتانيا196014,935 طن

نقل البضائع الصلبة

توبقال196112,746 طن

الشحن العام

شفشاون19614,050 طن

غرف تبريد للحوامض

كتامة19614,050 طن

غرف تبريد للحوامض

رغم هذه الدفعة القوية، واجهت كوماناف تحديات اقتصادية جمة في منتصف الستينات. فقد أدى ضعف استخدام الأسطول الوطني وعدم قدرة المصدرين المغاربة على الالتزام بالقوانين الجديدة إلى أزمة سيولة حادة. وللبقاء على قيد الحياة، اضطرت الشركة لتأجير بعض سفنها (مثل أطلس وتوبقال) لدول مثل الصين وكوبا لعدة سنوات، في خطوة عكست براغماتية الإدارة المغربية آنذاك لمواجهة الديون.

 العصر الذهبي وتأسيس "كوماريت" (1973–1986)

شهد عام 1973 تحولاً جذرياً بصدور "قانون الاستثمارات البحرية"، الذي أطلق العنان لمرحلة من النمو المتسارع. تأسست شركات مختلطة متخصصة، مثل "مارفوشيان" (Marphocean) لنقل الحوامض الفوسفورية، و"بيترامار" (Petramar) لنقل المحروقات بالتعاون مع مصفاة لاسامير.

في هذا المناخ من التفاؤل، برزت حاجة ملحة لربط المغاربة المقيمين بالخارج بوطنهم الأم دون الحاجة للمرور عبر إسبانيا براً. في عام 1975، اقتنت كوماناف سفينة "أكادير" لربط طنجة بميناء سيت الفرنسي. وفي عام 1984، دخل فاعل جديد وقوي إلى الساحة، وهو الملياردير عبد العالي عبد المولى، الذي أسس "الشركة المغربية النرويجية للملاحة" (COMARIT) بالشراكة مع العملاق النرويجي "فريد أولسن".

مقارنة استراتيجية بين كوماناف وكوماريت (1985)

وجه المقارنةكوماناف (COMANAV)كوماريت (COMARIT)
الطبيعة القانونيةشركة عمومية (قطاع عام)شركة مختلطة (قطاع خاص/أجنبي)
التركيز الاستراتيجيالشحن، الفوسفات، النقل الوطنينقل المسافرين (خط طنجة-الجزيرة الخضراء)
الأسطول الأيقونيالسفينة "مراكش" (1986)السفينة "بسم الله" و"البوغاز"
ميزة التنافسيةحماية الدولة والعقود الحكوميةالمرونة التشغيلية والشراكة التقنية النرويجية

بلغت هذه المرحلة ذروتها الرمزية في مايو 1986 مع تدشين السفينة "مراكش". لم تكن "مراكش" مجرد عبارة لنقل الركاب، بل كانت تحفة معمارية عائمة تجسد الهوية المغربية في أعالي البحار. كانت السفينة مجهزة بصالونات فاخرة مستوحاة من فندق "المأمونية"، وتتميز بديكورات من خشب الأرز المنحوت يدوياً، وزليج فاسي، وسقوف مرسومة بالأصباغ الطبيعية مثل الزعفران والنيلي. كانت "مراكش" تنقل 634 مسافراً و224 سيارة، وأصبحت رمزاً للسيادة والرفاهية التي لم تستطع أي شركة أجنبية منافستها في ذلك الوقت.

 رياح الخوصصة وبداية التصدع (1998–2007)

مع نهاية التسعينات، بدأت الأسس الاقتصادية لشركات الملاحة الوطنية في الاهتزاز. فرضت العولمة ظهور "الناقلات العملاقة" (Mega-carriers) التي سيطرت على الموانئ والخدمات اللوجستية في العالم. في المقابل، ظل المغرب يعاني من تشريعات ملاحية متجاوزة وإطار ضريبي غير ملائم، مما جعل السفن المغربية التي ترفع العلم الوطني في وضع تنافسي ضعيف مقارنة بالسفن التي ترفع "أعلام الراية" (Pavillons de complaisance) ذات التكاليف المنخفضة.

تحت ضغوط المؤسسات المالية الدولية لتحرير الاقتصاد، اتخذت الحكومة المغربية قراراً بخوصصة "كوماناف". في مايو 2007، وبعد منافسة شرسة بين 13 مرشحاً دولياً، رست الصفقة على المجموعة الفرنسية (CMA CGM)، ثالث أكبر مجهز للحاويات في العالم، مقابل مبلغ 2.25 مليار درهم.

تفاصيل صفقة خوصصة كوماناف (2007)

  • المشتري: مجموعة CMA CGM الفرنسية.

  • القيمة: 2.25 مليار درهم مغربي.

  • الأصول المتضمنة: أسطول الشحن، أسطول المسافرين، والأنشطة المينائية (سوديب و ليداميت).

  • الالتزامات: الحفاظ على مناصب الشغل وتطوير الأسطول الوطني (حسب الخطاب الرسمي آنذاك).

لكن التحليلات اللاحقة كشفت عن وجود ثغرات استراتيجية في عملية الخوصصة. فالمجموعة الفرنسية كانت مهتمة حصرياً بالجانب اللوجستي والموانئ لتعزيز شبكتها العالمية، بينما اعتبرت نشاط نقل المسافرين (Ferry) عبئاً غير متوافق مع نموذج أعمالها. لم يمضِ عام واحد حتى بدأت "CMA CGM" في تفكيك الشركة، حيث فصلت قطاع الشحن عن قطاع المسافرين، وهو ما اعتبره الخبراء والعمال خرقاً لدفتر التحملات الذي كان يمنع التجزئة قبل مرور خمس سنوات.

 التحالف القاتل وانهيار "كوماريت" (2009–2012)

في فبراير 2009، وفي خطوة فاجأت الأوساط الاقتصادية، قامت "CMA CGM" ببيع فرع "كوماناف فيري" (Comanav Ferry) إلى شركة "كوماريت" المملوكة لعائلة عبد المولى مقابل مبلغ 80 مليون يورو. بهذا الاستحواذ، أصبحت عائلة عبد المولى تسيطر على إمبراطورية ملاحية تحتكر تقريباً جميع الخطوط الحيوية بين المغرب وأوروبا.

بيد أن هذا التوسع لم يكن مبنياً على أسس مالية صلبة. فقد تم تمويل الصفقة عبر قروض بنكية مغربية ضخمة، في وقت كان فيه الاقتصاد العالمي يعاني من تداعيات الأزمة المالية لعام 2008. بدأت "كوماريت" في الغرق تحت وطأة ديونها، وظهرت بوادر الانهيار بسرعة:

  1. تراكم الديون السيادية والضريبية: توقفت الشركة عن سداد واجبات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (CIMR) حتى قبل الأزمة النهائية.

  2. أزمة الوقود: أصبحت الشركة عاجزة عن سداد فواتير الفيول (Fuel) للشركات الدولية، مما أدى إلى أولى عمليات الحجز التحفظي على سفنها في الموانئ الأوروبية.

  3. المنافسة الشرسة: دخول شركات إسبانية وإيطالية سريعة وقوية إلى الخطوط التقليدية لكوماريت، مما قلص هوامش الربح.

بحلول عام 2011، دخلت الشركة في نفق مظلم. في يناير من ذلك العام، تم الحجز على سفينتين في ميناء سيت الفرنسي. وفي 5 يناير 2012، وقعت "الفاجعة الكبرى" عندما مُعت السفينة الأيقونية "مراكش" والسفينة "بلادي" من مغادرة ميناء سيت بسبب ديون غير مسددة تجاوزت 3 ملايين يورو. تكرر المشهد في ميناء الجزيرة الخضراء مع السفينة "ابن بطوطة"، ليجد الأسطول المغربي نفسه مشلولاً في الموانئ الأجنبية.

 المأساة الإنسانية والاجتماعية (البحارة العالقون)

خلف الأرقام والديون، كانت هناك مأساة إنسانية مست أكثر من 1356 عائلة. لقد تحول البحارة والضباط الذين كانوا فخر الملاحة المغربية إلى ضحايا لسياسات فاشلة.

  • جحيم ميناء سيت: ظل حوالي 200 بحار مغربي عالقين فوق سفنهم في ميناء سيت لمدة تجاوزت 8 أشهر. عاش هؤلاء في ظروف لا تليق بالبشر، دون ماء أو كهرباء، معتمدين على وجبات الصليب الأحمر الفرنسي للبقاء على قيد الحياة، بينما كانت عائلاتهم في المغرب تعاني من العوز.

  • الرواتب المفقودة: توقفت الشركة عن صرف الأجور لمدد تراوحت بين 7 إلى 18 شهراً.

  • الانهيار الصحي والنفسي: سجلت التقارير حالتا انتحار على الأقل بين الموظفين المتضررين، بالإضافة إلى حالات شلل ووفيات ناتجة عن ضغط الدم والتوتر النفسي الشديد.

  • خداع الضمان الاجتماعي: اكتشف الموظفون عند محاولتهم الحصول على تعويضات أن الشركة كانت تقتطع المبالغ من رواتبهم لكنها لم تكن تضخها في صناديق التغطية الصحية والتقاعد. حتى الأقساط البنكية للقروض الشخصية التي كانت تُقتطع من المنبع، لم تكن تُحول للأبناك، مما عرض العمال للطرد من منازلهم المرهونة.

إحصائيات الديون والموارد البشرية في ذروة الأزمة (2013)

المؤشرالقيمة التقديريةالملاحظات
عدد الأجراء المتضررين1,800 موظف

تشمل البحارة والأطقم الإدارية

ديون الموردين400 مليون درهم

تشمل شركات الوقود والصيانة والموانئ

ديون الأبناك1.2 مليار درهم

قروض تمويل الاستحواذ والتسيير

رقم المعاملات الضائع2 مليار درهم

نتيجة توقف الأسطول عن العمل

 المسار القضائي والزلزال السياسي (2012–2014)

لم تكن أزمة كوماناف وكوماريت أزمة مالية فحسب، بل تحولت إلى قضية جنائية هزت أركان الدولة. في صيف 2012، وبناءً على تحقيقات دقيقة، تم اعتقال توفيق إبراهيمي، المدير العام السابق لكوماناف وميناء طنجة المتوسط، رفقة مجموعة من المسؤولين والنقابيين.

التهم والأحكام القضائية في ملف كوماناف

وجهت للمتابعين تهم ثقيلة بموجب الفصول 129 و288 و591 من القانون الجنائي المغربي :

  1. المشاركة في عرقلة سير الناقلات: تعطيل مرور السفن ومنعها من الإبحار.

  2. المس بأمن الدولة الداخلي: (تم إسقاط هذه التهمة لاحقاً وتكييفها).

  3. إفشاء السر المهني: تسريب معلومات استراتيجية حول الشركة.

  4. تكوين عصابة إجرامية: (تمت تبرئة المتهمين منها في الحكم النهائي).

في 20 فبراير 2013، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بسلا أحكامها:

  • توفيق إبراهيمي: 5 سنوات سجناً نافذاً.

  • متهمون آخرون (الرامي، منضور): 3 سنوات نافذة.

  • الشيشاطي: سنتان نافذة.

أثارت هذه الأحكام جدلاً سياسياً حاداً. فقد اعتبر دفاع المتهمين أن الملف تم تحريكه بدوافع سياسية من قبل حزب العدالة والتنمية لتصفية حسابات مع عائلة عبد المولى، خاصة بعد تقارب سمير عبد المولى (عمدة طنجة السابق) مع الحزب. من جهة أخرى، رأى الرأي العام أن الأحكام كانت مخففة جداً بالنظر لحجم الجريمة الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت في تشرد آلاف العائلات وفقدان أسطول سيادي.

 التصفية القضائية ومذبح السفن (2014–2021)

انتهى المسار التجاري لمجموعة كوماريت وكوماناف فيري بصدور حكم التصفية القضائية في 17 يوليو 2014 من طرف محكمة التجارة بطنجة. وبدأت مرحلة "التقطيع" المؤلمة للأسطول الوطني لبيع أصوله كخردة لتسديد جزء بسيط من الديون الهائلة.

السجل النهائي لمصير سفن الأسطول المغربي

اسم السفينةالنوعالمصير النهائيسنة التحطيم/البيعالموقع
بلادي (Biladi)Ferryتحطيم (Scrapped)2013

علياغا، تركيا

بركان (Berkane)Ferryتحطيم (Scrapped)2015

علياغا، تركيا

البوغاز (Boughaz)Ferryتحطيم (Scrapped)2015

علياغا، تركيا

ابن بطوطة (Ibn Batouta)Ferryتحطيم (Scrapped)2015

علياغا، تركيا

يوروفوياجر (Eurovoyager)Ferryتحطيم (Scrapped)2012

علياغا، تركيا

برايمروز (Primrose)Ferryتحطيم (Scrapped)2011

ألانغ، الهند

البساط (Bissat)Fast Ferryبيعت (الاسم الجديد: Detroit Jet)2013

لا تزال في الخدمة

البراق (Boraq)Fast Ferryبيعت لمستثمر أجنبي2016

خارج المغرب

يعكس هذا الجدول النهاية المأساوية لرموز السيادة البحرية. فالسفينة "بلادي"، التي كانت مفخرة الخطوط المغربية، بيعت في المزاد العلني بمليون يورو فقط، وهو مبلغ يقل بكثير عن قيمتها الحقيقية، لتنتهي قطعاً من المعدن الصدئ في أحواض التفكيك التركية.

 التداعيات الجيوسياسية وفراغ السيادة البحرية

لم يكن انهيار "كوماناف" و"كوماريت" مجرد حادثة اقتصادية، بل كان زلزالاً ضرب "العقيدة البحرية" المغربية في مقتل. فقد تحول المغرب، الذي يمتلك واجهتين بحريتين وموقعاً استراتيجياً في مضيق جبل طارق، إلى بلد "أعرج" بحرياً.

  1. فقدان العلم الوطني: تراجع عدد السفن التي ترفع العلم المغربي من 73 وحدة في عام 1989 إلى 15 وحدة فقط في عام 2021. والأخطر من ذلك أن من بين هذه السفن الـ 15، لا يوجد سوى 6 سفن لنقل المسافرين، وهو أدنى مستوى يسجل منذ عام 1960.

  2. الارتهان للخارج في "عملية مرحبا": أصبح عبور الملايين من أفراد الجالية المغربية رهيناً بقرارات الشركات الإسبانية (مثل بالياريا) والإيطالية (مثل GNV) والفرنسية. هذا الارتهان يضع المغرب في وضعية ضعف تفاوضي عند حدوث أزمات ديبلوماسية.

  3. النزيف المالي: يضطر المغرب لدفع مبالغ طائلة بالعملة الصعبة كأجور شحن وخدمات لوجستية للشركات الأجنبية، وهي المبالغ التي كان يمكن أن تضخ في الاقتصاد الوطني لو وُجد أسطول قوي.

  4. التهديدات الأمنية والسيادية: في سياق الجيوسياسة المعاصرة، يعتبر امتلاك أسطول تجاري وطني جزءاً من "الردع الاقتصادي والسياسي". فغياب الأسطول يحد من قدرة الدولة على ضمان استمرارية تدفق السلع الاستراتيجية في حالات الطوارئ الدولية أو الاضطرابات في سلاسل التوريد.

 آفاق المستقبل وإعادة بناء الأسطول (رؤية استراتيجية)

رغم القتامة التي خلفها ملف "كوماناف" و"كوماريت"، إلا أن هناك وعياً متزايداً بضرورة تصحيح هذا الخطأ التاريخي. فالرؤية الملكية الحالية تركز على تحويل الساحل الأطلسي إلى قطب استراتيجي يربط المملكة بعمقها الأفريقي وبالأسواق العالمية.

متطلبات العودة القوية للبحر المغربي

تقتضي الضرورة الوطنية عدم تكرار أخطاء الماضي، وبناء أسطول بحري يعتمد على الركائز التالية:

  • نموذج الشراكة الذكي: الابتعاد عن نموذج "الشركة العمومية المترهلة" ونموذج "القطاع الخاص الاحتكاري المدعوم"، والتوجه نحو شراكات استراتيجية (PPP) مع عمالقة الملاحة الدوليين، بشرط الحفاظ على "العلم الوطني" وتوطين الخبرة التقنية.

  • تحديث الترسانة القانونية والضريبية: خلق "نظام ضريبي بحري" تنافسي يشجع المستثمرين المغاربة على تسجيل سفنهم تحت العلم الوطني بدل اللجوء لأعلام الراية الأجنبية.

  • الاستثمار في "الموانئ الذكية": استكمال النجاح الباهر لميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي من خلال ربطهما بأسطول شحن وطني قوي يضمن التكامل اللوجستي.

  • السيادة الرقمية والأمن السيبراني: في ظل تحول الموانئ إلى منصات رقمية، يجب على المغرب تطوير خوارزميات سيادية لإدارة تدفقات الشحن وحماية البنية التحتية المينائية من التهديدات السيبرانية المتزايدة.

إن قصة إفلاس "كوماناف" و"كوماريت" يجب أن تظل درساً في كيفية تدبير الأصول الاستراتيجية للدولة. إن السيادة البحرية ليست ترفاً، بل هي ضرورة وجودية لبلد يطمح لأن يكون بوابة القارة الأفريقية نحو العالم. إن إعادة الروح لـ "سفينة الدولة" تتطلب إرادة سياسية صلبة، وتخطيطاً اقتصادياً يتجاوز المصالح الضيقة، ليعود العلم المغربي خفاقاً في أعالي البحار، ناقلاً ليس فقط البضائع والمسافرين، بل كبرياء أمة بحرية عريقة.

Comments

Popular Posts